أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
136
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف ، والباقون بفتحها . وأما « مُسْتَوْدَعٌ » فالكل قرؤه مفتوح الدال ، وقد روى الأعور « 1 » عن أبي عمرو بن العلاء كسرها . فمن كسر القاف جعل « مستقرّا » اسم فاعل ، والمراد به الأشخاص ، وهو مبتدأ محذوف الخبر ، أي : فمنكم مستقرّ ، إما في الأصلاب أو البطون أو القبور ، وعلى هذه القراءة تتناسق و « مُسْتَوْدَعٌ » بفتح الدال . وجوز أبو البقاء في « مستقر » بكسر القاف أن يكون مكانا ، وبه بدأ ، قال : فيكون مكانا يستقر لكم انتهى » . يعني والتقدير : ولكم مكان مستقرّ ، وهذا ليس بظاهر البتة ، إذ المكان لا يوصف بكونه مستقرّا بكسر القاف ، بل بكونه مستقرا فيه . وأما « مُسْتَوْدَعٌ » بفتحها ، فيجوز أن يكون اسم مفعول ، وأن يكون مكانا ، وأن يكون مصدرا ، فيقدر للأول : فمنكم مستقرّ في الأصلاب ، ومستودع في الأرحام ، أو مستقرّ في الأرض ظاهرا ومستودع فيها باطنا . ويقدر للثاني : فمنكم مستقرّ ، ولكم مكان تستودعون فيه . ويقدر للثالث : فمنكم مستقر ، ولكم استيداع . وأما من فتح القاف فيجوز فيه وجهان فقط أن يكون مكانا ، وأن يكون مصدرا ، أي : فلكم مكان تستقرون فيه ، وهو الصلب ، أو الرحم ، أو الأرض ، أو لكم استقرار فيما تقدم . وينقص أن يكون اسم مفعول ، لأن فعله قاصر ، لا ينبني منه اسم مفعول ، بخلاف « مُسْتَوْدَعٌ » حيث جاز فيه الأوجه الثلاثة . وتوجيه قراءة أبي عمرو في رواية الأعور عنه في « مُسْتَوْدَعٌ » بالكسر ، على أن يجعل الإنسان كأنه مستودع رزقه وأجله حتى إذا نفدا كأنه ردّهما ، وهو مجاز حسن ، ويقوي ما قلته قول الشاعر : 2025 - وما المال والأهلون إلّا وديعة * ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع « 2 » والإنشاء : الإحداث والتربية ، ومنه : أنشأ السحاب ، وقال تعالى : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ « 3 » فهذا يراد به التربية ، وأكثر ما يستعمل الإنشاء في إحداث الحيوان ، وقد جاء في غيره ، قال تعالى : وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ « 4 » . والإنشاء : قسيم الخبر ، وهو ما لم يكن له خارج . وهل هو مندرج في الطلب أو بالعكس ، أو قسم برأسه ؟ خلاف ، وقيل على سبيل التقريب ، مقاربة اللفظ لمعناه . وقال الزمخشري : « فإن قلت : فلم قيل : « يَعْلَمُونَ » مع ذكر النجوم ، و « يَفْقَهُونَ » مع ذكر إنشاء بني آدم ؟ قلت : كان إنشاء الإنس من نفس واحدة ، وتصريفهم على أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا ، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 99 ] وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 99 ) قوله : فَأَخْرَجْنا . فيه التفات من غيبة إلى تكلم بنون العظمة ، والباء في « بِهِ » للسببية . وقوله : نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ قيل : المراد
--> ( 1 ) هو هارون بن موسى الأزدي أبو عبد اللّه المنبوز بالأعور من أهل البصرة عالم بالقراءات والعربية توفي سنة 170 انظر الأعلام ( 8 / 63 ) . ( 2 ) البيت للبيد انظر ديوانه ( 89 ) ، شرح الحماسة ( 1 / 144 ) ، شواهد الكشاف ( 450 ) . ( 3 ) سورة الزخرف ، آية ( 18 ) . ( 4 ) سورة الرعد ، آية ( 12 ) .